بقلم: زكريا السيد احمد في 4/5/2022
لفصل الربيع وذاك راسخ في الذهنية الإنسانية وفي ذلك لا يختلف اثنان ، أما في دلالات هذا الشهر باقترانه بالساحة الفلسطينية فإنه يأخذ منحى آخر إذ ما أدركنا أنه كان على الدوام مرتبطا بالمجازر الصهيونية سواء على المستوى الجمعي أو الفردي منها ، وعلى ذاك يسميه البعض ( شهر الشلال الأحمر الفلسطيني ) لاكتظاظ أيامه ولعقود بأبشع صور الإجرام الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني ، إضافة إلى كونه أيضا شهر استحضار المعاناة الفلسطينية في باستيلات وزنازين الاحتلال الأثيم ، وليس مصادفة هذا الربط والذي جهد الصهاينة من خلاله لانتزاع صفة التفتح عن هذا الشهر في العقلية الفلسطينية ، وإن كنا نؤكد أن كل يوم يمر على فلسطين ترزح فيه تحت نير احتلالهم لها هو يوم أسود يقينا ، ولكنها معضلة الأرقام والتاريخ في المشهد الفلسطيني والذي لا يكاد يخلو يوم منذ قرن إلا ويحمل ذكرى أليمة تمس شعبنا في الصميم وفي الوجدان ، مع وجود محطات مشرفة فيه لنضال شعبنا في مقاومة شذاذ الآفاق وآلات بطشهم ومنها ما يرقى إلى الملحمية وفي صمود ( مخيم جنين ) الأسطوري المثل الأكبر .
- عودة بالذاكرة لنا في التواريخ النيسانية الفلسطينية تؤكد كل ما سبق ، ولربما يكون تاريخ التاسع من نيسان في عام النكبة واحدا من أكثر التواريخ إيلاما في المسيرة الفلسطينية ، حيث شهد فجر ذاك اليوم مجزرة ( دير ياسين ) التي تفننت فيها عصابات ( الأرغون ) و ( شتيرن ) بأشكال وحشيتهم المعهودة ضد شعبنا مخلفة أكثر من ٢٥٠ شهيدا من سكان تلك القرية الفلسطينية الملتصقة بمدينة القدس ، وحرص الصهاينة فيها على التمثيل بجثثهم وبتر أعضائهم وبقر بطون الحوامل والقتل الدموي بالرصاص في لوحة إجرام أسود تندى لها كل القيم الإنسانية تضاف إلى الرصيد الكبير لمسلسل الإرهاب الصهيوني والذي عمد في السنوات اللاحقة إلى تكرارها في غير مكان ، ولن تكون مجزرة ( مخيم جنين ) آخرها تلك المجزرة التي نفذت على مرأى ومسمع من عالم يتشدق بالإنسانية وحقوق الإنسان في صورة إبادة حقيقية للبشر والحجر ، فمن منا ينسى أوائل نيسان عام ٢٠٠٢ أثناء اجتياح الجيش الصهيوني للمخيم ضمن عملية ( الدرع الواقي ) مدعوما بالطيران الحربي والدبابات والجرافات مخلفة وحسب بعض الاحصائيات عشرات الشهداء وآلاف الجرحى وهدم المخيم كله تقريبا ، لتكون هذه المجزرة البشعة أول عملية دمار جماعي في القرن الواحد والعشرين ، مع تكبد الصهاينة فيها لخسائر فادحة وصلت إلى أكثر من خمسين قتيلا بعد صمود أسطوري لأبناء المخيم يسجل بحروف من ذهب في المسيرة النضالية المشرفة للمقاومة الفلسطينية .
- لم تتوقف الوحشية الصهيونية في شهور ( نيسان ) عند المجازر الجماعية بحق أبناء شعبنا ، إذ عمد الموساد الصهيوني ومن خلفه السلوك الهمجي لما يسمى بالمجتمع الصهيوني إلى اغتيال من يرونهم يشكلون خطرا عليهم ، ولم تكن البداية في ( بيروت ) في نيسان عام ١٩٧٣ بعملية اغتيال القادة الثلاثة ( كمال ناصر ) و ( كمال عدوان ) و ( أبو يوسف النجار ) التي نفذتها مجموعة كوماندوس صهيونية ، مرورا بنيسان عام ١٩٨٨ والذي شهد اغتيال الشهيد ( خليل الوزير أبو جهاد ) في العاصمة التونسية وليس انتهاء باغتيال الشهيد ( عبد العزيز الرنتيسي ) في نيسان عام ٢٠٠٤ .
- ولا يمكن لنا بتاتا أن نستحضر نيسان فلسطينيا من غير أن نتوقف عند معركة ( القسطل ) واستشهاد قائدها ( عبد القادر الحسيني ) في استبساله في الذود عن مدينة ( القدس ) ذاك القائد الفذ الذي خاطب حكام العرب حينها بعد خذلانهم الفاضح { سيكتب التاريخ أن فلسطين وقعت بيد اليهود بسببكم } ، ولا يمكن أيضا لشهر ( نيسان ) أن يمر دون أن نستذكر عملية ( نهاريا )البطولية بقيادة الأسير اللبناني الشهيد ( سمير القنطار ) ، ولا عملية (الخالصة )عام ١٩٧٤ التي برهنت على قدسية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي من خلال استشهاد أبطالها الثلاثة العراقي ( ياسين الموزاني ) والسوري ( أحمد الشيخ محمود ) والفلسطيني ( منير المغربي ) ، وفي ذاك من الدلالات الكثير أكدتها لاحقا عملية ( أم العقارب ) وعملية ( قبية ) في وحدة النضال والمصير في العمق الجماهيري العربي فيما يخص قضيتنا الفلسطينية ، وجدير بنا ونحن نسير أغوار نيسان في البعد الفلسطيني الوقوف ايضا عند يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف السابع عشر منه ، في انتصار لشهدائنا الأحياء في السجون الصهيونية الذين يتجرعون المعاناة اليومية والممارسات الصهيونية الآثمة للنيل من إرادتهم في ظروف اعتقال قاسية ترقى إلى مستوى الجريمة الكاملة والمجزرة الكاملة .
- محطات نيسانية فلسطينية كان لابد من الوقوف عندها وكل واحدة منها تحتاج إلى الاستفاضة والتوسع أكثر ، عدا عن أخريات لم يتم ذكرها مع اهميتها ، ولكن هي إشارات ضمن بانوراما سريعة تفضح التاريخ الدموي لمن اغتصب الارض وقتل ودمر وحرق وسفك الدماء من جهة ، ومن جهة أخرى تؤرشف لمسيرة نضال وطني فلسطيني مشرفة تستحق أن نستلهم منها العبر للمتابعة في درب المقاومة ، لأنها السبيل الوحيدة في التحرير وكنس أبشع احتلال عرفه التاريخ من الوجود ، عسانا وقريبا نحتفل بنيسان فلسطيني فيه تزهر براعم النصر والعودة والتحرير .
إن إدارة الموقع ترحب بجميع اقتراحاتكم وآرائكم وهي على تواصل دائم مع قراء وداعمين الموقع